logo

‘ التنظيم المجتمعي للعرب في إسرائيل: حين تصبح الفوضى أغلى من التنظيم‘ - مقال بقلم : د. رفيق حاج

بقلم : د. رفيق حاج
07-02-2026 06:49:54 اخر تحديث: 07-02-2026 06:50:58

ما المقصود بالتنظيم المجتمعي؟ لماذا تحتاج المجتمعات إلى التنظيم؟ من المسؤول عن بناء التنظيم المجتمعي؟ تجارب عالمية. هذه بعض الأسئلة التي سنحاول أن نجيب عليها في هذه المقالة.

د. رفيق حاج - صورة شخصية

في اللحظات التي يشتدّ فيها الإحساس بالعجز، كما في أزمة العنف المستفحلة التي تضرب المجتمع العربي اليوم وتحوّله إلى ساحة نزيف يومي، وتتكاثر فيها الأزمات، يميل الناس إلى البحث عن حلول سريعة أو عن جهة تُحمَّل المسؤولية. وغالبًا ما يُترجم هذا العجز إلى غضب، واحتجاجات آنية، وصرخات مشروعة، لكنها تبقى محدودة الأثر ما لم تُسند إلى أطر قادرة على الاستمرار. لكن التاريخ لا يرحم المجتمعات التي تكتفي بالغضب ولا تُحسن تنظيمه. المجتمع العربي في إسرائيل يقف اليوم أمام سؤال حاسم لا يتعلّق فقط بالحقوق أو بالسياسة، بل بالقدرة على البقاء كجماعة متماسكة في وجه العنف والتفكك. السؤال لم يعد: من المخطئ؟ بل: هل نملك أدوات التنظيم التي تحوّل الألم إلى مشروع، والتشتّت إلى قوة، والاحتجاج إلى إنجاز؟

ما المقصود بالتنظيم المجتمعي؟

التنظيم المجتمعي ليس شعارًا تعبويًا ولا هيكلًا إداريًا فارغًا، بل هو عملية تاريخية واعية لبناء أطر جماعية قادرة على تمثيل المجتمع، إدارة خلافاته، تحديد أولوياته، وصياغة أدوات نضاله الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. هو الانتقال من حالة التفاعل العاطفي مع الأحداث إلى الفعل المخطّط، ومن المبادرات الفردية المتناثرة إلى العمل المؤسسي المتراكم. التنظيم هو اللحظة التي يتحوّل فيها المجتمع من موضوع للقرارات إلى فاعل في صياغتها.

لماذا تحتاج المجتمعات إلى التنظيم؟

المجتمع غير المنظّم يستهلك طاقاته في الصراع الداخلي، بينما المجتمع المنظّم يحوّل اختلافاته إلى مصدر قوة. اجتماعيًا، يعيد التنظيم بناء الثقة بين الأفراد والفئات، ويحدّ من التفكك والعنف، ويخلق شعورًا بالمسؤولية المشتركة. اقتصاديًا، يمكّن من تجميع الموارد، تقليل الهدر، وبناء أدوات اقتصادية جماعية تعزّز الاستقلال النسبي. أما على مستوى الحراك الشعبي، فإن التنظيم هو ما يحوّل الشارع من انفجار مؤقت إلى ضغط مستدام، ومن ردّ فعل إلى مسار تغييري طويل النفس. لا إنجازات جماعية بلا تنظيم، لأن الحقوق لا تُنتزع من خلال العفوية، بل عبر قوة تعرف كيف تفاوض وتصمد وتحاسب نفسها.

من المسؤول عن بناء التنظيم المجتمعي؟

من أكثر الأسئلة التي تُطرح عند الحديث عن التنظيم المجتمعي هو: من تقع عليه المسؤولية؟ وغالبًا ما يُطرح هذا السؤال بصيغة الاتهام لا البحث، وكأن التنظيم مشروع يمكن تحميله لطرف واحد ثم محاسبته عند الفشل. غير أن التجربة التاريخية، كما الواقع، يثبتان أن التنظيم المجتمعي لا يُبنى بقرار فوقي، ولا يُدار من مركز واحد، بل هو عملية تراكمية تشاركية تتوزّع فيها المسؤوليات بقدر ما تتكامل الأدوار.

السلطات المحلية العربية تتحمّل مسؤولية مركزية بحكم كونها الأطر المنتخبة الوحيدة التي تمتلك شرعية مباشرة من الناس. دورها لا يقتصر على إدارة الشؤون اليومية وتقديم الخدمات، بل يتعدّى ذلك إلى بناء رؤية مجتمعية جامعة، وتهيئة البيئة الحاضنة للتنظيم. السلطة المحلية التي تكتفي بردّ الفعل، أو التي تخشى المبادرات الشعبية بدل احتضانها، تساهم عمليًا في إدامة التفكك، حتى وإن حسنت نواياها. الانتقال من منطق “البلدية كجهاز إداري” إلى “البلدية كقيادة مجتمعية” هو شرط أساسي لأي تنظيم ناجح.

الأحزاب السياسية، من جهتها، تتحمّل مسؤولية مضاعفة. فالأحزاب ليست فقط أدوات انتخابية، بل يفترض أن تكون مدارس تنظيمية ومختبرات عمل جماعي. حين تنظر الأحزاب إلى التنظيم المجتمعي كتهديد لنفوذها، أو كساحة صراع على الهيمنة، فإنها تُضعف المجتمع وتُضعف نفسها في آن واحد. أما حين تدرك أن التنظيم المجتمعي الواسع هو ما يمنح العمل السياسي عمقه واستمراريته، فإنها تتحوّل من عامل استقطاب إلى عامل بناء. التنظيم لا ينافس السياسة، بل يمنحها قاعدة صلبة ومعنى حقيقيًا.

المجتمع المدني بدوره يقف عند مفترق طرق حاسم. فالجمعيات والمؤسسات الأهلية تمتلك خبرات مهنية وقدرات تنفيذية كبيرة، لكنها كثيرًا ما تُحاصر بمنطق المشاريع المؤقتة والتمويل المشروط. مسؤوليتها في مسار التنظيم المجتمعي هي الخروج من العمل المجزّأ نحو بناء مسار طويل الأمد، وربط القضايا المختلفة ضمن رؤية واحدة، بدل العمل في جزر منفصلة. المجتمع المدني إما أن يكون رافعة للتنظيم، أو أن يتحوّل، دون قصد، إلى عامل تفتيت حين يغيب التنسيق والبوصلة المشتركة.

أما النخب الفكرية والمهنية، من أكاديميين ومثقفين ومهنيين، فهي تتحمّل مسؤولية لا تقل أهمية، وغالبًا ما يجري التغاضي عنها. فالتشخيص وحده، مهما كان دقيقًا، لا يكفي. دور هذه النخب هو تحويل المعرفة إلى أدوات، والأفكار إلى سياسات، والنقد إلى بدائل قابلة للتطبيق. حين تبقى النخب على الهامش، يفقد التنظيم عمقه الفكري، وحين تنعزل عن الميدان، تتحوّل إلى أصوات بلا أثر. التنظيم المجتمعي يحتاج إلى عقل بقدر ما يحتاج إلى حراك.

ويبقى الجمهور، أي الناس أنفسهم، الحلقة الحاسمة في أي مشروع تنظيم. لا تنظيم مجتمعي دون مشاركة شعبية واعية، ولا مشاركة دون استعداد لتحمّل مسؤولية جماعية. الجمهور ليس كتلة صامتة تُستدعى عند الحاجة، بل هو شريك في البناء، في القرار، وفي المحاسبة. الانتقال من ثقافة الانتظار واللوم إلى ثقافة المبادرة والمشاركة هو التحدي الأكبر، لكنه أيضًا الشرط الحقيقي لنجاح أي تنظيم.

في المحصلة، التنظيم المجتمعي ليس مشروع قيادة، ولا إنجاز نخبة، ولا مهمة مؤسسة واحدة. هو عقد اجتماعي غير مكتوب، تتقاطع فيه أدوار السلطات ،الأحزاب والمجتمع المدني والنخب والجمهور. وحين يفشل التنظيم، فذلك لا يعني أن الجميع مخطئون، بل يعني أن الجميع لم يتحمّلوا مسؤولياتهم بالقدر الكافي. التنظيم لا يُورَّث، ولا يُفرض، بل يُبنى بصبر، وبشراكة، وباستعداد جماعي لدفع كلفة التنظيم بدل الاستمرار في دفع كلفة الفوضى..

دروس من تجارب عالمية

حين تأسست حركة «تضامن» في بولندا عام 1980 كنقابة عمّالية، لم تكن البلاد تعيش ازدهارًا اقتصاديًا، بل أزمة خانقة ونظامًا فاقدًا للشرعية الأخلاقية. خلال أقل من عقد، وتحديدًا عام 1989، ساهم هذا التنظيم في إسقاط النظام الشيوعي. في الولايات المتحدة، بدأت حركة الحقوق المدنية تتبلور منذ أواخر الأربعينيات، وبلغت ذروتها بين 1955 و1968، منتهية بتشريعات مفصلية عامي 1964 و1965، بعد نضال منظّم استند إلى قيم أخلاقية واضحة. في جنوب أفريقيا، لم يسقط نظام الأبارتهايد عام 1994 بفعل الاحتجاج وحده، بل نتيجة تنظيم مجتمعي طويل بدأ منذ الأربعينيات وتصاعد في السبعينيات والثمانينيات. في أمريكا اللاتينية، قادت التنظيمات القاعدية والتعاونيات الشعبية منذ الستينيات مسارات خروج تدريجية من الفقر والتهميش. القاسم المشترك بين هذه التجارب أن التنظيم وُلد في الأزمات، ونجح لأنه جمع بين البنية التنظيمية والمرجعية الأخلاقية.

كيف يبدأ التنظيم فعليًا؟

التنظيم لا يبدأ بإعلان كبير، بل ببناء أطر محلية قادرة على الاستمرار، وصياغة رؤية مشتركة تحدد ما الذي يريده المجتمع خلال سنوات لا خلال موسم واحد. يبدأ ببناء قيادة جماعية لا فردية، وبربط الشارع بالمؤسسة بدل وضعهما في مواجهة. يبدأ بتأمين موارد بسيطة لكنها مستقلة، وبإدارة الخلافات داخليًا بدل إنكارها. التنظيم اختبار صبر ومسؤولية، لا حملة عاطفية.

خلاصة

التنظيم المجتمعي للعرب في إسرائيل لم يعد خيارًا فكريًا ولا مطلبًا نخبويًا، بل ضرورة تاريخية، خصوصًا في ظل العنف المتفشي الذي لا يمكن مواجهته بالغضب وحده ولا باحتجاجات موسمية سرعان ما تخبو. هو الطريق الوحيد للخروج من منطق ردّ الفعل إلى منطق المبادرة، ومن التشتّت إلى التأثير، ومن الفوضى المكلفة اجتماعيًا وإنسانيًا إلى التنظيم الأقل كلفة والأكثر جدوى على المدى البعيد. المجتمعات لا تنهض لأنها محقّة فقط، بل لأنها تنظّمت أخلاقيًا واقتصاديًا وسياسيًا. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس إن كنا نحتاج التنظيم، بل إن كنا مستعدين لتحمّل مسؤولية بنائه قبل أن يدفع المجتمع ثمن الفوضى أثقل مما يحتمل.


صورة من المظاهرة في تل أبيب - تصوير موقع بانيت