منظر طبيعي أخضر يضج بالحياة، مليء بالنباتات المائية والكائنات الحية الفريدة – هذا هو عالم البرك الشتوية. في السنوات الـ 150 الماضية، فقدنا في البلاد أكثر من ثلثي عددها، وهي معطيات تجعلها أكثر الموائل الطبيعية المهددة في البلاد. تنجم الأضرار الرئيسية عن تحويل المساحات لأغراض البناء، أو شق الطرق، أو الزراعة، مما يؤثر بشكل مباشر على مساحة البرك نفسها أو على حوض التصريف وإمدادات المياه إليها. إن غياب سياسة منظمة وطويلة الأمد فيما يتعلق بالحفاظ على البرك القائمة وترميمها، وبناء برك جديدة، يحول دون التعامل الصحيح معها. ويكشف تقرير بادرت إليه سلطة تصريف ومجاري اليركون عن حالة البرك الشتوية في حوض تصريف نهر اليركون، ويثير تساؤلات هامة حول مستقبلها.
ما هي البركة الشتوية؟
البرك الشتوية، كما يوحي اسمها، هي برك تمتلئ بمياه الأمطار خلال فصل الشتاء وتختفي في المواسم الجافة. وتتميز بتنوع بيولوجي غني إلى جانب دورة من الفيض والجفاف تؤدي إلى تطور أنواع فريدة من الكائنات الحية التي تمتلك استراتيجيات حياة متنوعة. ولكن، بعكس مكانتها غير المهمة – سواء بعيون الجمهور أو لدى الكثيرين من صُنّاع القرار – فإن لها عدة أدوار مهمة، بدءاً من كونها حاضنة للعديد من الأنواع النادرة، وصولاً إلى كونها مصدراً للمياه والغذاء للطيور المهاجرة، والزواحف، والثدييات. تقول د. سارة أوحيون، أخصائية إيكولوجيا الحاضنات الرطبة والبيئات البحرية التي أجرت المسح بالتعاون مع هيلا جيل، الأخصائية الإيكولوجية في معهد " ديشي- شكل البلاد" بمتحف الطبيعة على اسم شتاينهاردت، لصالح "سلطة تصريف ومجاري اليركون"، أنه من المهم فسح المجال للبرك الشتوية وإعادة دمجها في حيّزنا. وتوضح أوحيون بأن البرك الشتوية تساعدنا كبشر من حيث امتصاص مياه الفيضانات، وتنظیم المناخ المحلي، وإدخال الطبيعة في حياتنا اليومية، وتتيح لنا التعرف على ثراء هذا النظام البيئي.
ويذكر أريك ليبوفيتش، المدير العام لسلطة تصريف ومجاري اليركون، أن مسح البرك الشتوية كان بالنسبة للسلطة خطوة هامة ورائدة. كونها ملزمة بالحفاظ على الموائل الرطبة، سواء كمحميات للتنوع البيولوجي الفريد أو كأنظمة تساعد في إدارة الجريان السطحي بشكل طبيعي. ويضيف بأن المفهوم الحوضي للسلطة يحتم علينا المراقبة والحفاظ على البرك الشتوية.
تقول جيل بأن القليل من البرك التي شملها المسح كانت في حالة جيدة. فمعظم البرك مهددة – إما بسبب المياه الملوثة التي تتدفق إليها أو بسبب الضرر المباشر للموئل وبيئته. هناك برك تم القضاء عليها تماماً، أو قُلصت مساحتها، أو تعاني من مشاكل أخرى مثل الكائنات الحية الغازيِة أو النفايات. وتضيف أوحيون بأن البرك الشتوية هي موائل فريدة للغاية. فمظهرها يتغير بشكل دراماتيكي وفقاً لفصول السنة – من موئل رطب ومليء بالحياة في الشتاء، إلى موئل جاف وخامل في الصيف – وبناءً على ذلك، تنمو فيها كائنات حية مميزة جدًا تمتلك استراتيجيات فريدة للتعامل مع هذا الانتقال بين الرطب والجاف. هذا الجفاف هو أيضاً ما يتسبب في الحساسية العالية جداً للبرك تجاه التدمير والخراب؛ فبمجرد جفافها، غالباً لا يمكن رؤيتها وتصبح هدفاً سهلاً للتطوير، سواء للبناء أو الطرق أو الزراعة.
حوض تصريف نهر اليركون
في إطار إعداد التقرير، أُجري مسح شامل للبرك الشتوية في منطقة المركز – وهي المنطقة التي تُعتبر البرك فيها الأكثر تهديداً من بين كافة البرك، نظرًا لوجود أعلى طلب فيها على تطوير البناء والبنية التحتية. شمل المسح 34 بركة شتوية في نطاق حوض تصريف نهر اليركون، من بينها 8 برك جديدة و3 برك قديمة خضعت لعمليات ترميم لتحسين أدائها الإيكولوجي. وفي حوالي 90% من البرك التي تم فحصها، تم توثيق 5 أنواع من البرمائيات من أصل 7 أنواع موجودة في البلاد. وفي جميع الحالات، لوحظ وجود شراغيف (يرقات الضفادع)، مما يؤكد أن هذه الأنواع تستخدم البركة لغرض التكاثر.
يُعد وجود مجموعات من البرمائيات في البرك الشتوية مؤشراً رئيساً على الأداء الإيكولوجي لهذه البرك – من حيث مدة الاحتفاظ بالمياه وكذلك من حيث جودتها. البركة التي سُجل فيها أكبر عدد من أنواع البرمائيات في المسح كانت "بركة ليفينسكي" التي تم ترميمها عام 2016، حيث عُثر فيها على 4 أنواع: الضفدع الشجري (الأيلانية)، ضفدع الجداول، العلجوم الأخضر، وسمندل الخطوط (تريتون الخطوط). وبشكل عام، كان الضفدع الشجري هو النوع الأكثر انتشارًا، حيث وُجد في 26 بركة شتوية شملها المسح. بينما عُثر على ضفدع الجداول والعلجوم الأخضر في 10 برك، وسمندل الخطوط في 7 مواقع. وفي بركة واحدة، عُثر على الضفدع الحفار (العلجوم السوري) – وهو نوع يواجه خطر الانقراض.
بركة قديمة وعلجوم سوري
البركة الشتوية الوحيدة التي عُثر فيها على العلجوم السوري هي في الواقع بركة قديمة في وسط البلاد لم تكن معروفة من قبل. بالإضافة إلى العلجوم السوري، عُثر فيها على مجموعة متنوعة من الأنواع، بعضها نادر جداً، مثل سمندل الخطوط، والضفدع الشجري، ونوعين من القشريّات الفريدة – "الأفونية" و"مجذافيات الأرجل" كل هذا يجعل من هذه البركة واحداً من أهم مواقع البرك الشتوية في منطقة المركز.
تقول أوحيون بأن العلجوم السوري مخلص جداً لموئله، لذا فإن الإضرار بالبركة قد يؤدي أحياناً إلى انقراض محلي لمجموعاتها، التي لا تهاجر إلى مسطح مائي آخر. وتوضح أوحيون أنه في الصيف، يدفن العلجوم نفسه في الأرض في المناطق القريبة من البركة، حيث يدخل في حالة سبات صيفي، وفي الشتاء يعود إلى نفس البركة التي تطور فيها أصلاً. وهذا يعني أننا بحاجة للحفاظ ليس فقط على مساحة البركة، بل وأيضاً على حوض تصريفها؛ سواء للحفاظ على مصدر الجريان السطحي للبركة، أو من أجل الحيوانات الكامنة في التربة التي تستيقظ قبيل الشتاء وتعود إلى بركتها لتبدأ دورة تكاثر جديدة. لقد اختفى العلجوم السوري من عدة برك شتوية قديمة في حوض تصريف اليركون كان يسكنها سابقًا، مثل كفار شمرياهو، ونافيه غان، وبرك مكتب ترخيص حولون-تل أبيب.
بيوض مستدامة
كما عُثر في البركة 'القديمة-الجديدة' على قشريات فريدة من نوعها، منها الدرعية القشرية، الدرعية الضخمة، الزيمرغل، والأفونية. هذه القشريات يصل حجم بعضها إلى حجم كف اليد، ولا يمكن العثور عليها إلا في البرك الشتوية. ويمكن أن يكون وجود هذه القشريات أو غيابها مؤشرًا بيولوجيًا جيدًا على جودة الموئل وصحة النظام البيئي. توضح أوحيون أن استراتيجية حياتهم مميزة جدًا؛ فهم يضعون 'بيوض مستدامة' بحيث تترسب في قاع البركة، وتظل كامنة ويمكنها البقاء لفترة طويلة حتى تتوفر الظروف المناسبة. وهذا يعني أنه عندما يمتلئ الموئل بالماء وتتوفر الظروف الصحيحة من حيث درجة الحرارة والملوحة وما شابه، فإنها تفقس وتنتج الجيل التالي من ذلك النوع.
خلال المسح، تم توثيق 6 أنواع من القشريات الفريدة في 11 بركة شتوية. كانت "بركة المحمية"، الموجودة في منتزه البرك الشتوية في تل أبيب، هي البركة الوحيدة التي عُثر فيها على 4 أنواع من القشريات الفريدة في موقع واحد. وبشكل عام، مقارنةً ببيانات المسوحات السابقة، لوحظت اتجاهات متباينة؛ حيث أظهرت بعض الأنواع تعافيًا أو استقرارًا، بينما أظهر بعضها الآخر علامات تراجع وانحسار.
تعافٍ ذاتيّ
من الأمثلة الجيدة على بركة قديمة ومعروفة نجحت في التعافي هي "بركة كفار شمرياهو". فقبل عقد من الزمن، كانت مهددة بسبب أعمال حفريات في شارع "أيالون شمال"، وفي المسح الحالي تبين أنها تعمل وتمتد على مساحة كبيرة وذات جودة عالية مع تنوع في البيئات الإيكولوجية. عُثر في البركة على وفرة كبيرة من الحشرات المائية، بل ولوحظ وجود مجتمع كبير من قشريات "الأفونية". تقول أوحيون بأن ذلك كان مفاجئًا؛ فهذه البركة كنا نعتقد أنها ستُدمر نتيجة شق شارع أيالون شمال، لكننا وجدنا هناك كميات كبيرة من قشريات الأفونية التي تُعتبر نادرة. على الرغم من تقلص مساحة البركة، إلا أنها موجودة وتزدهر، وهي تثبت أنه من الممكن الحفاظ على المناطق الطبيعية، حتى في المناطق الحضرية، ودون الكثير من الاستثمار – طالما تم الحفاظ على مساحة البركة وحوض تصريفها ولم تكن هناك ملوثات كبيرة – كان يكفي تركها وشأنها. هذا لا ينطبق على جميع الحالات، ولكن في هذه الحالة، ودون أي تدخل، تعافت البركة.
رغم ذلك، يبدو أن التعامل التخطيطي مع البرك القديمة ليس كافيًا دائمًا. فأحيانًا "تنجح" في الاندماج ضمن مشاريع ترميم المناظر الطبيعية أو كحلول لتصريف المياه، ولكن دون التركيز على الحفاظ على التنوع البيولوجي. تقول جيل بأن القشريات الفريدة، والعلجوم السوري، وكذلك النباتات المهددة بالانقراض، وُجدت في برك قديمة جدًا. هذا يعني أنه لا يوجد بديل عن الحفاظ على البرك الشتوية القديمة وترميمها. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن بروتوكولات منظمة لهذه العملية المعقدة، وكل شيء يسير حاليًا بشكل كبير وفق مبدأ التجربة والخطأ – وفي كثير من الحالات يكون ذلك على حساب الكائنات الحية. إن ترميم الموائل يجب أن يستند إلى خطة ترميم إيكولوجي مكيّفة بشكل فريد لكل بركة. لا يمكن القيام بـعملية 'نسخ ولصق'، ويجب أن يكون ذلك تحت إشراف مهني مناسب من قِبل أخصائي إيكولوجيا الموائل الرطبة. وتوضح جيل بأن كل المعلومات التي تُجمع في معهد 'داشي' متاحة مجانًا على موقعنا الإلكتروني وتهدف لخدمة الجهات التخطيطية أينما كانت.
لقد حددت الأمم المتحدة العقد الحالي كـ "عقد ترميم الأنظمة البيئية والتنوع البيولوجي"، مما يعني أنه لم يعد من الممكن الاكتفاء بأهداف الحفظ فقط. وتوضح أوحيون أنه يجب بناء خطة استراتيجية للحفاظ على البرك الشتوية في البلاد بحيث يكون الهدف الأول هو حماية البرك القديمة، وبالتوازي مع ذلك، وضع خطة قائمة على أسس واضحة لترميم البرك المتضررة وإنشاء برك شتوية جديدة. ومع عودة الأمطار، تختتم أوحيون حديثها قائلة أدعو الجمهور للخروج، والتنزه، والتعرف على البرك الشتوية – فجزء من الحفاظ عليها يكمن في الوعي بوجودها.
أُعدّت هذه المقالة بواسطة زافيت – وكالة الأنباء التابعة للجمعية الإسرائيلية للإيكولوجيا وعلوم البيئة.
الصورة للتوضيح فقط - تصوير: (Photo by ABBAS MOMANI / AFP) (Photo by ABBAS MOMANI/AFP via Getty Images)
لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا
