
أنها تدخل مرحلة جديدة سماتها ثلاث، أوّلها أنها حالة من عدم الوضوح الميدانيّ بات من المؤكّد فيها أنها لن تكون من جهة إسرائيل والولايات المتحدة حربًا سريعة وخاطفة كما توقعتاها، يتمّ فيها عبر ضربات جويّة وتصفية للقيادات بما فيها، وأولها المرشد الأعلى للثورة الإيرانيّة علي خامنئي وغيره، إخضاع القيادة الإيرانيّة ودفعها لقبول إملاءات وشروط الرئيس دونالد ترامب خاصّة، وهو الذي بات من الواضح وكما تثبت تصريحاته المتناقضة، أنه لا يعرف تحديدًا ما يريده من حربه على إيران، وأنه لم يتخيل رغم اعتزازه بقدرة بلاده العسكريّة الفتَّاكة، ورغبته الجامحة في فرض إملاءاته على دول العالم كما فعل في قضايا الضرائب الجمركيّة مع حلفائه وخصومه، وكما فعل في قضية نيكولاس مادورو الرئيس الفنزويليّ، أن الأمور ستسير على هذا المنوال، أي نحو التصعيد وتوسيع نطاق الحرب لتصل تركيا واليونان وقبرص وأذربيجان والخليج بكامله، عبر استهداف منشآت النفط والمطارات والقواعد الأمريكيّة، كما تصل لبنان عبر استهداف حزب الله شمال إسرائيل التي وإن كانت قد نجحت في إقناع الولايات المتحدة بشنّ هذه الحرب، أو جرّها إليها كما يقول كثيرون، إلا أنها تدرك اليوم أن إسقاط النظام في ايران ليس ممكنًا، وهو ما عبر عنه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي قال إن هذا الأمر يبقى من مسؤوليّة الشعب الإيرانيّ، وأن الحرب ستكون أطول من كافّة التوقّعات، وهو ما يهدّد بتحويلها إلى حرب استنزاف على نار هادئة تضطر فيها إسرائيل للسعي إلى التوفيق بين أمور لا مجال للتوفيق بينها، أو تربيع الدائرة كما يقال، ومواصلة الحرب إلى جانب العودة إلى الحياة العاديّة اقتصاديًّا وتعليميًّا وغيره، خاّصة وأن الحرب تطول كافّة مناطق إسرائيل من شمالها إلى جنوبها، وبالتالي حتى وإن كانت إسرائيل قادرة على مواصلة الحرب عسكريًّا، وهي قادرة على ذلك بفعل الدعم العسكريّ الأمريكيّ غير المحدود، بل ربما يريد قادتها ذلك، إلا أنه لا يمكنها المراهنة على الجبهة الداخليّة، أي مدى قدرة الاقتصاد وحركة التنقل ومرافق العمل والصناعات المتقدّمة والمؤسّسات البحثيّة والأكاديميّة وغيرها، أما ثالث سمات هذه المرحلة الجديدة، فتتعلّق بإيران، وهي من شقين أوّلهما أنها أثبتت ورغم الضربات التي تعرضت لها وتصفية قيادتها وتدمير دفاعاتها الجويّة، أنها قادرة على إيلام دول المنطقة وأنها بفعل هذه الضربات خرجت عن المألوف وقصفت دولًا جارة في خطوة لها تفسيران أوّلهما أنها من باب مبدأ" عليَّ وعلى أعدائي" وكسر قواعد اللعبة نهائيًّا وثانيها أنها رسالة تؤكّد لهذه الدول أن الدفاع عن أمنها ليس في مقدمة سلّم أولويّات الولايات المتحدة، وأن وجود قواعد عسكريّة أمريكيّة في هذه الدول، لا يضمن أمنها، ومن هنا فإن صفقات شراء الأسلحة من الولايات المتحدة بمئات مليارات الدولارات لا تكفي، والمطلوب منظومة دفاعيّة تعتمد على نفسها وتشكِّل الولايات المتحدة العامل المساعد لها، وليس العكس.
الحديث عن قرب انتهاء هذه الحرب
وفوق ذلك جاءت تصريحات ترامب منتصف هذا الأسبوع، والتي لا بدّ ستكون لها ارتدادات في إسرائيل خلال الساعات المقبلة، خاصّة أن ملخصها الحديث عن قرب انتهاء هذه الحرب، وأن الولايات المتحدة حقّقت النصر حتى الآن لكنها تبحث عن النصر المطلق، ما يعيد إلى الأذهان شعار الحكومة الإسرائيليّة برئاسة بنيامين نتنياهو حول انتهاء الحرب في غزة، وكلنا نعرف كيف انتهت الحرب هناك بقرار أمريكيّ، لتؤكّد أن مرحلة عدم الوضوح تشمل أيضًا البحث عن مخرج من هذه الحرب، يكون مشرّفًا بالنسبة لترامب خاصّة بعد أن اتّضحت بعض معالم مهاجمة مدرسة للبنات الإيرانيّات بصاروخ توماهوك أمريكيّ، في منطقة ميناب، ما أسفرت عن مقتل نحو 180 منهن، وهو مخرج يتم البحث عنه بعد أن تيقّنت أمريكا، أن الحرب لا تسير كما تشتهي، وأن تكاليفها أعلى وأكثر ممّا توقّعت واشنطن، عسكريًّا ومن حيث عدد الضحايا الأمريكيين وهذا قبل إرسال الجنود إلى إيران، وهو ما استبعده خاصّة وأنه يعني سقوط القتلى والجرحى، وهو ما يناقض تمامًا مبادئ دونالد ترامب القاضية بعدم إرسال جنود أمريكيّين إلى مناطق النزاع، وإلى ذلك يجب أن نضيف اختيار المرشد الاعلى الجديد مجتبى خامنئي والذي تشير كافّة الوقائع إلى أنه أكثر تزمّتًا وتشدّدًا من والده علي خامنئي، ناهيك عن التكلفة الاقتصاديّة الباهظة من حيث تكاليف الحرب التي تقدّر بنحو 10 مليارات دولار يوميًّا وارتفاع أسعار النفط والغاز وغيرها من المنتجات، وخلخلة أركان المواجهة الاقتصاديّة أمام الصين وروسيا عبر اضطرار واشنطن للموافقة على قيام حلفائها وفي مقدّمتهم الهند، بشراء النفط من روسيا بأسعار غير مسبوقة، بعد أن اتّضح أن نفط الدول الخليجيّة لم يعد مضمونًا بل عرضة للمساس بعد كل مواجهة عسكريّة في المنطقة مع إيران أو حتى الحوثيين، وهي حالة لا يقبلها ترامب، رجل الأعمال، الذي بذل كافّة الجهود لتوحيد مواقف دول الخليج حول صادرات النفط في خطوة اعتبرها كثيرون ضربة لروسيا التي لها خلافات مع السعوديّة حول الأمر، بدأت أبرزها في آذار مارس 2020 وفي خضم جائحة كورونا عندما رفضت روسيا خفض الإنتاج، لترد السعوديّة برفعه بشكل أحادي الجانب، ممّا أدّى إلى انخفاض أسعاره بشكل كبير، وبالمقابل قيام الصين بشراء كميّات كبيرة من النفط الإيرانيّ غير المكرّر بأسعار رخيصة للغاية مستغلّة حالة الحرب وحاجة إيران إلى السيولة النقديّة، وكل ذلك وسط حديث عن دعم روسيّ وصينيّ لطهران خلال الحرب، لم يصل حدّ الدعم العسكريّ العلنيّ، بل بقي سياسيًّا مع تسريبات غير موثوقة حول دعم تقنيّ معيّن، وكلها أسباب تدفع واشنطن، وفي تأكيد لما ورد في مقالي السابق حول كونها حربًا دخلتها واشنطن بقرار تكتيكي متسرّع تفتقر إلى أيّ إستراتيجيّة كانت، اللهم تلك الإستراتيجيّة الفنزويليّة التي جعلت ترامب يعتقد أن استبدال رأس النظام عبر اعتقاله أو اغتياله، تعني بالضرورة تغيير النظام كله وتوجهاته وسياساته، ليتّضح العكس وهو ما يشكّل ردًّا على السؤال الدائم ، حول ما إذا كان بإمكان أي حرب، أو عمل عسكريّ خلق نظام جديد في منطقة ما سواء كان اقتصاديًّا أو سياسيًّا، وهو سؤال يكون الجواب عليه في الغالب بالنفي، لكنّه من السابق لأوانه في هذه الحرب التي لم تنته بعد، لكن تصريحات ترامب الأخيرة والتي أشارت إلى قرب نهايتها، مع التأكيد على أن ذلك لن يكون في هذا الأسبوع، تشير إلى تطوّرات ما يشهدها البيت الأبيض، قد تؤول إلى قرارات أمريكيّة ملزمة بوقف الحرب، وطبعًا إعلان ترامب أنه حقّق النصر المبين، وذلك مع أخذ بالاعتبار بانه في حالة دخول الصين إلى الحرب حماية للنفط الإيرانيّ الذي تستورده الصين قد يُؤدّي إلى حرب عالميّة، وهذا ما تريد الولايات المتحدة تفاديه، وعليه سيتمّ لقاء رئيس الصين والولايات المتحدة في نهاية الشهر الحاليّ.
الحنين لأمجاد الإمبراطوريّة الفارسيّة
ورغم الانشغال في التطوّرات الحاليّة وخاصة تلك المتعلّقة بقصف الدول الخليجيّة من قبل إيران، واعتبار ذلك خرقًا لأبسط القواعد القانونية الدوليّة، لا بدّ من التنبّه إلى حقيقة تاريخية واضحة تنبثق منها مواقف إيران الشيعيّة تجاه دول الجوار وكلها مسلمة سنيّة، وهي حقيقة راسخة في العقيدة الفارسيّة منذ عقود بل قرون، لكنها تعاظمت وبرزت معالمها وتعاظم الطموح القوميّ الفارسيّ لدى إيران في التوسع والانتشار، عقب الثورة الإيرانيّة في 1979، وهي لم تخف حنينها لأمجاد الإمبراطوريّة الفارسيّة التي كانت من أوسع الإمبراطوريّات جغرافيًّا وأقواها عسكريًّا قبل مجيء الدولة الإسلاميّة، والحقيقة التاريخيّة تقول إن إيران لم تتنازل عن حلم الإمبراطورية الفارسيّة التي هزمها وأنهى عصرها الخليفة الثاني عمر بن الخطاب بهزيمة قائدهم رستم فرخزاد في معركة القادسيّة عام 636 بعد الميلاد واحتلاله بلادهم والفرس هم الذين قتلوا عمر بن الخطاب، وكان ذلك على يد أبي لؤلؤة المجوسّي الذين يجلّونه ويجلّون قبره إلى هذه الأيام في مدينة قاشان. كما ولا يزالون يشتمون السلطان العثمانيّ سليم الأول أو سليم الياووز الذي هزم ملكهم إسماعيل الأول الصفوي في معركة تشالديرن عام 1514 وليس بالصدفة أن تصل القذائف الإيرانيّة إلى تركيا، لتجد إيران نفسها وسط عالم مسلم سنيّ يحيطها من كافّة الجهات، تدعمه الدول الأوروبيّة وأمريكا وغيرها، تعمل إيران على توسيع نطاق سيطرتها عليه عبر مدّ أذرعها إلى مناطق فيه منها اليمن وسوريا ولبنان والعراق وغيرها، لتشكّل نقاط انطلاق أو تمركز يتوسّع من خلالها المدّ الإيرانيّ والشيعيّ، انطلاقًا من إيمان إيران الخميني ومنذ العام 1979 أن مساحة إيران الحقيقيّة، هي أكبر من حدودها الجغرافيّة الحاليّة، وأن كافة الفصائل المسلّحة التي تدعمها طهران في الشرق الأوسط، ومنها الحشد الشعبيّ في العراق وحزب الله في لبنان وأنصار الله الحوثيّة في اليمن وقوات الدفاع الوطنيّ في سوريا والجهاد الإسلاميّ وحماس في غزة، هذه كلها هي جزء من إيران ومراحل ارتكاز توسّعيّة. وهو أمر يؤكّد كثيرون أنه كان العامل الأساسيّ الثابت في المشروع القوميّ الإيرانيّ، وأساس مخطّطها للتوسّع في المنطقة العربيّة، عبر أذرع دينيّة، وخطابات تعدّدت مستوياتها بين القوميّ الفارسيّ للإيرانيّين في الداخل، والدينّي المذهبيّ للمتشيّعين في الخارج، وهو نهج لم يتغير رغم التطورات والتغيّرات المتلاحقة التي عاشتها المنطقة خلال القرن الماضي، ابتداء من الحرب العالميّة الأولى ثمّ الثانية، وحتى الحرب الإيرانيّة العراقيّة، ثمّ حرب الخليج الأولى ثم الثانية، وصولًا إلى الحروب الأهليّة والربيع العربيّ. وهو توجّه لم يكن خافيًا رغم محاولات القيادة السياسّية الإيرانيّة الحفاظ على شعرة معاوية مع الدول الإسلاميّة السنيّة ومنها تركيا وقطر ودول الخليج، لكن المسؤولين العسكريّين الإيرانيّين كانوا أقلّ دبلوماسيّة وأكثر وضوحًا في ذلك، وتكفي الإشارة هنا إلى تصريحات أدلى بها خلال الحرب العراقيّة الإيرانيّة، قاسم سليماني، قائد الحرس الثوري الإيرانيّ وقائد فيلق القدس لاحقًا، الذي اغتالته أمريكا في العراق، عام 2020، والذي قال إن القوات الإيرانيّة التي تقاتل في العراق تسعى إلى بسط نفوذها في الأراضي العربيّة من أجل إعادة الإمبراطوريّة الفارسيّة، وذلك يمكن ضمانه عبر عدم إبقاء أراضٍ فارسيّة تحت سيطرة أناس كانوا يسكنون في الصحراء على حدّ قوله، وبالتالي فالهدف الأساسيّ والأهمّ هو بسط النفوذ وليس هزيمة العراق، مضيفًا أن العداء للعرب ليس جديدًا، وأن إيران تسعى لكسر شوكتهم وتدمير أمجادهم المزعومة وإعادة إمبراطوريّة لم يتبق منها سوى الأطلال، على حدّ قوله، في إشارة إلى أن إيران الخمينيّة تعتبر حدودها الجغرافيّة الحاليّة أطلالًا فقط، أي بقايا حدودها التاريخيّة، التي ترغب بالعودة اليها.
تصريح صادم وغير مسبوق
والشيء بالشيء يذكر، فدول الخليج هذه التي قصفتها إيران بعد اندلاع الحرب الحاليّة الأمريكيّة الإسرائيليّة على إيران، هي نفسها التي كانت قبل أيام معدودة منها قد شعرت بالتهديد والخطر، جراء تصريحات غير مسبوقة للسفير الأمريكيّ في إسرائيل مايك هاكابي، أعلن فيها صراحة ترحيبه بسيطرة إسرائيل على كافّة الشرق الأوسط الواقع بين النيل والفرات بحدوده التوراتيّة، ويشمل دول الخليج كلها، في تصريح صادم وغير مسبوق لاقى استنكارًا عربيًّا خليجيًّا ودوليًّا باعتباره يشكّل مسًّا بسيادة هذه الدول وربما تشجيعًا لإسرائيل على السيطرة عليها، أو ربما قبول بواقع قد تسيطر إسرائيل، وكما يريد المتطرفون فيها على أراضٍ في لبنان وسوريا والأردن وحتى السعوديّة باعتبارها الأراضي التاريخيّة والتوراتيّة لإسرائيل مع الإشارة إلى أنه لم يصدر عن واشنطن الرسميّة أي استنكار أو رفض لتصريحات هاكابي هذه، أو على الأقلّ إعلان خجول يقول إنها تعبر عن مواقفه فقط، وهي حالة تعيد إلى الأذهان ما قاله مؤرّخون من أن الدول العربيّة اعتبرت النزاع الإسرائيليّ الفلسطينيّ الخطر الأكبر عليها، وتناست أو تجاهلت المشروع الفارسيّ الذي استولى على أراض عربيّة تساوي ضعف مساحة إسرائيل مرّات عديدة، وهي منطقة الأحواز (الغنيّة بالنفط)، إلا أن العرب لم ينظروا لإيران كعدو وجوديّ كما نظروا إلى إسرائيل، وبالتالي تجد دول الخليج حالها في موقف لا تحسد عليه، بين إيران التي تقصفها لمجرد كونها صديقة لأمريكا وتحاول استخدامها ورقة ضغط على ترامب لوقف الحرب التي شنّتها بلاده مع إسرائيل، ودون أن تكون لهذه الدول فيها ناقة ولا بعير، وبين واقع آنيّ يعلن مسؤول أمريكي ّيعتبر من أقرب المقربين للرئيس ترامب أنه يأمل أن تسيطر إسرائيل على هذه الدول باعتبارها جزءًا منها وحقًّا إلهيًّا للشعب اليهوديّ، وفي حالة تقف أمام خطرين أو تهديدين إسرائيل الكبرى والامبراطوريّة الفارسيّة، وبينهما قواسم مشتركة، لتضطر إلى إعادة حساباتها من جديد، أو السعي إلى نظام جديد في المنطقة.
نمط تصرّف سياسيّ عالميّ
تشكيل هذا النظام الجديد، أو أي نظام جديد في الشرق الأوسط، يستوجب استخلاص العبر ممّا حدث والفهم التامّ أن الحرب الحاليّة خاصّة وما يحدث في الشرق الأوسط عامّة وتحديدًا منذ العام 2001، هو نمط تصرّف سياسيّ عالميّ تقوده، عادة، أمريكا وتنضمّ إليها إسرائيل ودول أوروبيّة، خلاصته تحديد نظام ما في المنطقة باعتباره تهديدًا وشنّ حرب إعلاميّة ودبلوماسيّة عليه، ثمّ التدخّل العسكريّ تحت مبرّرات تتغيّر وتتبدّل منها أسلحة الدمار الشامل في العراق في العام 2003 ، إلى حماية المدنيّين في ليبيا عام 2011، ومنع إيران من امتلاك سلاح نوويّ في عام 2026، وهي حروب تحوّلت منطقة حظر طيران أمميّة لحماية المدنيين إلى حرب كانت نتيجتها حتى اليوم واحدة، وهي انهيار الدولة المستهدفة، وفوضى مستمرة، واستفادة اقتصاديّة وعسكريّة أمريكيّة-إسرائيليّة، وصولًا إلى هذه المرّة أيضًا وإعلان ترامب قبل شهر بالضبط من اليوم أن تغيير النظام في إيران هو أفضل ما يمكن أن يحدث، لتبدأ الحرب بعد ذلك بأسبوعين، وسط مبرّرات متعدّدة ومتغيّرة، تراوحت بين تهديد وشيك لأمن أمريكا بفعل مشروع الصواريخ بعيدة المدى، وضرورة تدمير هذه القدرات الصاروخيّة ومنع امتلاك السلاح النوويّ وإسقاط النظام، في تكرار دقيق للمبرّرات التي سبقت حرب الخليج ومهاجمة ليبيا، ومن هنا أقول إن الحديث عن نظام جديد بعد هذه الحرب ما زال سابقًا لأوانه، فهدف الولايات المتحدة هو تدمير القيادة الإيرانيّة والبنية التحتيّة العسكريّة، وسط آمال تبدو ضئيلة بل ربما مستحيلة بنظام أفضل في ايران، وباختصار هي حرب تشبه في أحد معالمها الحرب في غزة، فهدف أمريكا التكتيكيّ الأول هو تدمير إيران ونظامها، دون تفكير في اليوم التالي، أي أن بناء إيران يبقى أمرًا ثانويًّا، ناهيك عن أن الحديث عن نظام جديد يجب أن يأخذ بالحسبان كافّة تداعيات الحرب، أي تلك قصيرة المدى، أو طويلة المدى، فبينما يفكّر أمريكيون وإسرائيليّون بنظام جديد ربما يغيّر معادلات سايكس بيكو، بما يصبّ في مصلحة أمريكا، من الواجب الالتفات إلى الشعور السائد اليوم بين محلّلين أمريكيين منهم مارك لينتش أستاذ العلوم السياسيّة المساعد في جامعة ويليامز، كما جاء في مجلة فورين بوليسي، ومفاده أن الحرب الحاليّة مهما كانت نتائجها على الأرض، قد تهدّد وللمرّة الأولى منذ الحرب العالميّة الثانية، هيمنة أمريكا في المنطقة، أو على الأقلّ تستدعي إعادة النظر فيها، خاصّة وأن قيام إيران بقصف جاراتها من دول الخليج، التي حاولت إقناع ترامب بتجنّب الحرب، يكشف لأول مرّة وبشكل مؤلم عن ضعف الضمانات الأمريكيّة الدفاعيّة، أو ربما عن حقيقة سلّم أولويّات الولايات المتحدة في المنطقة وملخّصه أن حماية أمن الدول الخليجيّة رغم صفقات الأسلحة بمئات مليارات الدولارات واتفاقيّات الدفاع المشترك، ومنها مع قطر والسعودية ليس في المكان الأوّل من حيث الاهتمام، وربما ستعزّز خوف دول الخليج من سياسات إسرائيل وتطلّعات اليمين في العالم وخاصّة الحكومة الحاليّة في إسرائيل، إضافة إلى خيبة أملها من الرئيس دونالد ترامب، الذي تجاهل دعواتها للحلّ الدبلوماسيّ وتركها عرضة للهجمات الإيرانيّة التي لم تقتصر على ضرب القواعد العسكريّة الأمريكيّة فقط، بل طالت الفنادق والمؤسّسات المدنيّة والسياحيّة في هذه الدول ومصافي النفط وغيرها.
الحرب ستنتهي بقرار ترامبيّ
الحرب ستنتهي، ونهايتها لن تكون بقرار إسرائيليّ ولا إيرانيّ، بل كما أعلنت المتحدثة بلسان البيت الأبيض، بقرار ترامبي مسوّغاته اعتقاد ترامب أن الحرب قد حقّقت أهدافها، لكن نهايتها وكما أثبتت تجارب التاريخ لن تكون بداية عهد من السلام والتفاهم الفوريّ على الأقلّ، بل إنها ستخلّف لليوم التالي احتقانًا وتوتّرات لم تكن قبلها خاصّة بين الدول الخليجيّة وإيران، واحتقانًا باتت ملامحه تتّضح شيئًا فشيئًا يتعلّق بإسرائيل والتي رشحت أنباء عن العائلة المالكة السعوديّة مفادها أن ولي العهد هناك والحاكم الفعليّ، محمد بن سلمان، يحمّل إسرائيل هذه المرّة مسؤوليّة ما حدث، ومسؤوليّة ما لحق ببلاده من أضرار اقتصاديّة وسياسيّة، ناهيك عن محاولات وسائل إعلام إسرائيليّة التلميح بفعل معلومات وصلتها من مسؤولين إسرائيليّين إلى أن بلاده تخطّط للانضمام إلى الحرب إلى جانب أمريكا وإسرائيل اعتبرتها السلطات السعوديّة محاولات لزجّها في حرب ليست لها، إضافة إلى محاولات واضحة وعلنيّة من مؤيّدي إسرائيل في أمريكا ومنهم السناتور ليندزي غراهام الذي طالب السعوديّة علنًا بالانضمام إلى الحرب وقصف المواقع الإيرانيّة، كما تفعل إسرائيل وأمريكا ملمحًا الى انها اذا لم تفعل ذلك، فلا يحق لها الشكوى، مضيفًا ان عليها فور انتهاء الحرب الاعتراف بإسرائيل وعقد اتفاقيّات سلام معها، وبالتالي فالحديث عن اليوم التالي ومحاولة رسم معالمه هو ضرب من الخيال، أو التنبّؤ المبني على تخمينات خاصّة وأن الصورة الحقيقيّة لما حدث لم تتّضح بعد سواء في إسرائيل، أو إيران أو دول الخليج وكذلك في أمريكا والتي تزداد الإشارات الواردة منها والتي تؤكّد أن ترامب دخل حربًا لا يعرف أسبابها ولا يعرف كيف ستجري، وأنه فوجئ بصمود إيران أو عدم انهيارها.
إقصاء إيران وخلق تكتّل سنّي موازٍ لها
ومن هنا فنحن، وبعد أن تنتهي هذه الحرب، والتي قال عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إنها ليست حربًا أبديّة دون نهاية، في تلميح يضاف إلى سابقيه حول بدء العدّ التنازلي نحو النهاية، أمام تحوّلات كبيرة ونظام جديد قد يكون كما تشتهي الولايات المتحدة وإسرائيل من حيث إقصاء إيران وخلق تكتّل سنّي موازٍ لها، وقد تكون العكس، أي نفور دول خليجيّة وعربيّة من تكرار الحروب مع إيران بشكل يخدم أهداف إسرائيل فقط ويتجاهل هذه الدول، وبالتالي فمحاولات وضع تصوّرات حقيقيّة وواعية لليوم التالي، لن تكون مجدية إذا تجاهلت الحقيقة الواقعة والواضحة وحسابات القوى العظمى، أمريكا والصين وروسيا، من منطلق أن الشرق الأوسط لم يكن يومًا ساحة صراع إقليميّ فقط، بل كان جزءًا من معادلات التوازنات الدوليّة، وهذه المرّة بين الولايات المتحدة التي تعتبر، خاصة في عهد الرئيس الحاليّ ترامب وبتأثير مساعديه ومقرّبيه، أن إضعاف إيران هو هدف استراتيجيّ يضمن ترسيخ نفوذها الأمنيّ والعسكريّ والسياسيّ والاقتصاديّ في الخليج، الذي تعتبره مركزًا ومصدرًا رئيسيًّا الطاقة والتجارة الدوليّة، وإذا ما تمّ ذلك أي إضعاف إيران، فإن ذلك قد يضمن مرحلة جديدة تقلّ فيها في الشرق الأوسط، التهديدات العسكريّة والحروب، وتزداد فرص النمو والازدهار الاقتصاديّ والاستقرار السياسيّ، وبالمقابل الصين وروسيا اللتان تعتبران إيران حليفًا لغايات، ربما في نفس يعقوب، ومنها رغبتهما في جرّ الولايات المتحدة إلى حرب تطول فتستنزف قواها ومالها وتجعلها تغوص في وحل الشرق الأوسط، أملًا بأن تتحوّل إيران بالنسبة لأمريكا إلى صورة طبق الأصل عمّا أصبحت عليه أوكرانيا بالنسبة لروسيا، وتريدان ضمان علاقات مفتوحة وطبيعيّة مع الدول الخليجيّة دون أن تغلق هذه الدول السيطرة الأمريكيّة، أبوابها على نفسها وتضع كافّة مقدراتها السياسيّة والعسكريّة والاقتصاديّة في سلّة واحدة هي سلة الولايات المتحدة، وباختصار سيبقى الشرق الأوسط ساحة صراع بين القوى العظمى على الصعيدين العسكريّ والسياسيّ من طرف أميركا والاقتصاديّ خاصّة من طرف الصين.
خلاصة القول، وعود على بدء، فمع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يزداد عدم الوضوح، وتزداد التساؤلات حول نهايتها، متى وكيف، وسط ضغوط تمارسها إسرائيل على الإدارة الأمريكيّة لاستمرار الحرب وإلحاق أكبر قدر ممكن ما الأضرار والخسائر بالقوات الإيرانيّة، أو كما قال مسؤول إسرائيليّ يوم الثلاثاء، إحداث القدر الأقصى من الأضرار، قبل أن يعلن ترامب وقف الحرب، بينما يتأرجّح ترامب بين الاعتبارات العسكريّة والسياسيّة والماليّة حيث يرى أن الأهداف العسكريّة قد تحقّقت، ممّا يجعله يفكر في إنهاء المواجهة تدريجيًّا .رغم تصاعد العمليّات العسكريّة، والأهمّ من كل ذلك، وكجزء من كونها حربًا غير واضحة المعالم، يتّضح أن خطوط الاتّصال مع إيران لم تنقطع، وأن دولًا عربيّة منها المملكة العربيّة السعوديّة وربما مصر إضافة إلى تركيا وكذلك روسيا تلعب دورًا في التوسّط للتوصل إلى تفاهمات ووقف للحرب، وكل ذلك وسط اتّفاق وتوافق شبه تامّ، واستنادًا إلى صورة الوضع على الأرض. إن وقف الحرب لا يعني ولن يعني، وعلى ضوء مواقف القيادات في أطرافها الثلاثة إيران وإسرائيل وأمريكا، انتهاء أسبابها ومسبّباتها، بل إنه مجرّد استراحة محارب أو بكلمات أبسط: ما إن تنتهي حرب حتى يبدأ العدّ التنازلي نحو حرب قادمة ستأتي.. والمسألة توقيت ليس إلا؟؟ خاصّة على ضوء الاعتقاد أن إيران المجروحة بعد هذه الحرب ، وبفعل مبناها الدينيّ المتزمّت والمتطرّف، ستصبح أكثر إصرارًا على تحويل ما لديها من كميّات اليورانيوم المخصّب إلى أسلحة نوويّة، وهذه مسألة يبدو حتى اليوم أن العمل العسكريّ وحده ليس الحلّ لها، بل يجب أن يرافقه جهد دبلوماسيّ، أي عمل مشترك سياسيّ وعسكريّ كان ممكنًا لو كانت أهداف الحرب واضحة منذ البداية، دون أن يتم تغييرها وتعديلها بين عشية وضحاها، مع الإشارة وهذا الأخطر إلى أن الحرب لن تنتهي إلى حسم واضح، بل إلى نتائج خاضعة للتأويلات والتفسيرات يمكن لكل طرف من أطرافها اعتبارها انتصارًا، متناسين أن الأفضل هو السلام حتى لو كانت الطريق إليه محفوفة بالمخاطر وتتطلّب بعض التنازلات، عملًا بالقول الشهير للفنان والكاتب بنجامين فرانكلين: "لم يكن هناك أبدًا حرب جيّدة، أو سلام سيّئ".
والخطر الأقسى أن تتفاقم الحرب، وتدخل إليها القوة العظمى الصين، لتحتفظ بالنفط الإيرانيّ، وعندها ربما ستتفاقم الحرب عالميًّا.
المحامي زكي كمال
