مقال :‘ السيطرة العسكرية على الأراضي المحتلة مرافقة بعنف يومي ‘
السيطرة العسكرية على الأراضي المحتلة مرافقة بعنف يومي روتيني يعرفه كل من خدم فيها، أو كل من كلف نفسه عناء النظر إلى ما يحدث هناك: إطلاق النار على المتظاهرين،

شاي دانيالي هو مدير قسم الأبحاث وجمع الشهادات في منظمة "نكسر الصمت" - صورة شخصية
مداهمة البيوت، وتعذيب كل من يعبر الحواجز. هو عنف من السهل التقاطه بالصور وهو لذلك معروف وواضح للكل، لكن تحته يغلي عنف آخر، بيروقراطي مؤسسي يصعب تسليط الضوء عليه على هوامش التقارير التلفزيونية. هو العنف الذي تستخدمه آليات مثل الإدارة المدنية ومركز التنسيق والارتباط في غزة ومنسق العمليات الحكومية في المناطق. رغم أن هذا العنف يشكل البنية التحتية والأساس للاحتلال، إلا أن معظم الإسرائيليين لا يعرفون عنه شيئًا، ويعود هذا جزئيًا إلى أنه يمارَس تحت غطاء رقيق وزائف يظهر على أنه يهدف "لمساعدة الفلسطينيين".
أقيمت الإدارة المدنية بهدف إدارة ورعاية الحياة المدنية الفلسطينية. يتحدث رؤساء الإدارة عن أنفسهم في الإعلام كما لو كانوا يديرون منظمة مساعدات إنسانية، كاذبين على أنفسهم، في أحسن الأحوال.
تحدثت في السنوات الأخيرة مع عشرات من الجنود والجنديات الذين خدموا في هذه الوحدة، في مراكز التنسيق والارتباط وفي وحدة منسق العمليات الحكومية في المناطق وأدلوا بشهاداتهم لمنظمة "نكسر الصمت". ليست الإدارة المدنية التي وصفوها بمنظمة إنسانية، بل منظمة تتاجر بحقوق الفلسطينيين لفرض وصيانة سيطرتنا العسكرية عليهم.
حتى الجنود الذين يخدمون في هذه الوحدات يستغرقون وقتًا كثيرًا لفهم ذلك. كثيرون منهم يبغضون الحاجة لتقديم الخدمات لسكان يُنظر إليهم على أنهم "من العدو"، ومن هنا اللقب الذي أُلصق بهم: "وحدات رعاية للفلسطينيين": "من الواضح أنك سترفض طلبات الفلسطينيين بالتصاريح عبثًا وتصرخ عليهم لأنك لا تتماهى مع الغاية المدنية للوحدة. من الواضح أنك ستحاول أن تثبت بأي طريقة أنك لست وحدة رعاية للفلسطينيين"
هذا التوتر موجود في أذهان الجنود في الميدان، لكنه يعكس أيضًا التناقض المتأصل في الجهاز العسكري - المدني بأكمله، وله تأثير بعيد المدى على حياة الفلسطينيين المحتاجين لخدماته.
تخيلوا أن ليس بإمكانك زيارة أمكم على فراش الموت لأن جاركم ألقى الحجارة على سيارات فلسطينيين. تخيلوا أن موظف ضريبة الدخل يمنعكم من كسب العيش لأن تصرفكم في الطابور لا يعجبه. تخيلوا أن تضطروا لطلب حقوقكم من جندي لا يتحدث لغتكم حتى. من الصعب علينا تخيل هذا لأن الآليات الحكومية التي تنظم حياتنا صمِّمَّت لنا، من قبلنا، ولدينا تأثير عليها. ليس هذا هو الحال في الإدارة المدنية التي تنظر إلى الفلسطينيين على أنهم مشكلة أمنية أولاً ومن ثم أشخاص لهم احتياجات وحقوق، وبالتالي ليس للفلسطينيين أي قدرة على التأثير عليها. تم إنشاء الإدارة المدنية من قبل إسرائيليين ومن أجل الإسرائيليين، لذلك حتى عندما تدير الحياة المدنية الفلسطينية، فإنها تفعل ذلك، قبل كل شيء، من أجل تعزيز وترسيخ سيطرتنا العسكرية على المناطق المحتلة.
وهكذا، على سبيل المثال، تتاجر الإدارة المدنية بالتصاريح للفلسطينيين، متبعة سياسة المكافأة والعقاب التي تستخدمها للعقاب الجماعي، ومنح الامتيازات لمن يساعدها على جمع المعلومات. إحدى الممارسات الروتينية هي رفض منح التصاريح لأي من سكان قرية خرج منها شخص قام بأمر ممنوع، حتى لو كان الأمر مجرد إلقاء حجارة. الجنود الشباب مخولين لمحو تصاريح مئات الفلسطينيين بضغطة زر، دون مراعاة ظروف حياتهم واحتياجاتهم ووضعهم الأمني. تسحَب التصاريح من أفراد أسرة أي شخص يقوم بعملية، ومن أفراد عائلته الممتدة، ومن جيرانه حتى. الوجه الآخر للعملة هو توزيع التصاريح للفلسطينيين المؤثرين: التجار والقادة المحليين والسياسيين - لجمع المعلومات وخلق التبعية. هذا جانب واحد من مبدأ المكافأة والعقاب، لكنه يهدف بالأساس لتثبيت علاقات التبعية والسيطرة.
كلمة "تصاريح" مضللة. لا تتاجر الإدارة المدنية بالتصاريح بل بالحقوق: الحق بكسب العيش، حرية التنقل، والحق بتلقي الرعاية الصحية، كجزء من نظام مكافأة وعقاب مركب، وحتى تتمكن الوحدة من المتاجرة بهذه الحقوق بشكل أكثر فعالية، هناك حاجة لأن يعيش هؤلاء السكان بنقص مستمر معدومي حرية التنقل، والحق في الرعاية الصحية، والحق في كسب العيش.
لا يمكن أن يكون الأمر غير ذلك. بنِيت الإدارة المدنية كجزء من نظام السيطرة العسكرية على شعب آخر. لا يمكنك أن تخدم نظامًا عسكريًا قمعيًا دون أن يتغلغل منطقه بك وأن تذوته. يمكن للإدارة المدنية أن تساعد في الحفاظ على الاحتلال أو في رعاية السكان لكن ليس كليهما، حتى لو أخبروا الجنود، مرة تلو الأخرى، أنهم "وحدات رعاية الفلسطيني" .
من هنا وهناك
-
‘ تأملات في مظاهرة سخنين ‘ - بقلم : المحامي علي أحمد حيدر
-
حين يصبح الناس نخبة النخب ومصدر الإلهام للسياسات | مقال بقلم: أمير مخول
-
السيادة لا تشرب مع القهوة.. خرافة القراءة الاستشراقية للعشيرة! - بقلم : عماد داود
-
صرخة الاخ علي زبيدات ‘ ابو ابراهيم‘ هي صرخة سخنين بكامل اطيافها
-
مقال: رؤية لمهنة المحاسبة في عام 2026 وما بعده - بقلم: طلال أبوغزالة
-
‘ حين يصمت العقل النقدي: هل ما زال المثقف العربي ضمير الأمة؟ ‘ - بقلم : الدكتور حسن العاصي
-
مقال: ‘لا يليق بالناصرة ولا بأم الفحم | استنكار للتصرفات غير الرياضية‘ - بقلم : محمود الحلو
-
قراءة نقدية في كتاب ‘يوميات الزائر والمزور: متنفس عبر القضبان‘ للكاتب المحامي الحيفاوي حسن عبادي
-
‘من التقييم الرقمي إلى التقييم الكلامي‘ - مقال بقلم: منال مصطفى من طمرة
-
‘ يوسف حنحن… حين يرحل الطيبون بصمت ‘ - بقلم: رانية مرجية





أرسل خبرا