‘ الإجماع الذي لم تصنعه القيادات: درس سخنين ‘ - بقلم : منير قبطي
لم يكن الغليان الشعبي الذي اجتاح المجتمع العربي في إسرائيل حدثًا عابرًا، ولا ردّة فعل لحظية، ولا نداءً خرج من غرف السياسة أو من أفواه الزعماء. الشرارة الأولى انطلقت من سخنين، وبالاسم، لا كمدينة فقط، بل كحالة.
منير قبطي - صورة شخصية
من الشارع، لا من منصة خطاب. من إنسانٍ عاديّ، بلا لقب ولا موقع سياسي، خرج يدافع عن لقمة عيشه، وعن أمان بيته، وعن حقه في أن يعود إلى أولاده سالمًا. لم يكن يدافع عن منصب، ولا عن موقع، بل عن حياةٍ صارت مهددة في تفاصيلها اليومية.
سخنين في تلك اللحظة لم تكن وحدها. كانت كل المجتمع العربي هو سخنين. الغضب الذي انفجر فيها كان مكبوتًا في كل قرية ومدينة، من الجليل إلى المثلث إلى النقب. لذلك هبّت الجماهير، لا تضامنًا مع مدينة بعينها، بل لأن الجميع رأى نفسه في تلك الصرخة. كان ذلك تعبيرًا صادقًا عن وجعٍ جماعي، لا يمكن احتواؤه بخطاب موسمي أو بيان حزبي.
من هناك تمدّد الحراك، وتحول إلى حالة عامة سبقت الأحزاب، وأحرجت القيادات، وكشفت الفجوة العميقة بين الشارع ومن يفترض أنهم يمثّلونه. لم يكن حراكًا منظمًا حزبيًا ولا موجَّهًا من قيادة سياسية، بل صرخة حياة في وجه واقعٍ خانق. صرخة حاول كثيرون لاحقًا ركوب موجتها، بعد أن ثبت أن الشارع قادر على التحرك وحده، وأن المبادرة لا تحتاج إلى إذنٍ سياسي.
في هذا السياق، عادت القائمة المشتركة إلى الواجهة كعنوان للوحدة، وكبديل عن التشتت، وكنموذج يُفترض أنه مؤسسي. لكن التجربة، مع مرور السنوات، كشفت مفارقة مؤلمة: أربع قوائم، لكل واحدة زعيمها، تُدار في كثير من الأحيان وكأنها إقطاعيات سياسية. “رجل واحد” في القمة لسنوات طويلة، بلا تداول حقيقي، وبلا إعداد جيلٍ صاعد قادر على استلام القيادة، وكأن الزعامة غاية بحد ذاتها، لا وسيلة لخدمة الناس.
الأخطر من ذلك كان استثمار اللحظة العاطفية. حين انفجرت موجات الغضب الشعبي ضد الجريمة، والإجرام، وانتشار السلاح غير المرخّص، نزلت القيادات إلى الشارع، وتقدّمت الصفوف، ورفعت الشعارات. الهدف المُعلَن كان واضحًا: الوقوف في وجه الجريمة. لكن السؤال الجوهري الذي لم يُجب عنه بوضوح، أو تمّ تأجيله عمدًا، لا يزال قائمًا:
هل كانت هناك أجندة حقيقية للتعامل مع الجريمة؟
هل وُضعت خطة واضحة، بجدول زمني، وأدوات تشريعية، وضغط سياسي منظم؟
أم أن كل ذلك أُجِّل إلى ما بعد “الحصول على 17 مقعدًا” في الكنيست؟
كأن الرسالة الضمنية كانت: انتخبونا أولًا، وبعدها نرى. وهذه ليست سياسة، بل مقامرة بثقة الناس، واستغلال مشروع لألمهم وخوفهم، وتحويل قضية حياة أو موت إلى ورقة تفاوض انتخابية.
الديمقراطية ليست هتافًا، ولا صورة في مظاهرة، ولا خطابًا حماسيًا. الديمقراطية نظام متكامل: مؤسسات فاعلة، تداول مناصب، محاسبة داخلية، وبرامج واضحة. الزعيم الذي لا يُعدّ بديلاً له، ولا يسمح بنشوء قيادة شابة من حوله، لا يقود مشروعًا، بل يرسّخ نفسه، ويُفرغ العمل السياسي من معناه.
أنا أحلم بيوم ننتخب فيه قائمة لا زعيمًا.
ننتخب برنامجًا لا صورة.
ننتخب رؤية لا تاريخًا شخصيًا.
أحلم بيوم لا يُطلب مني أن أهتف لشخص “إلى الأبد”، وكأن السياسة قدرٌ أبدي، لا عقدًا بين الناس ومن يمثلهم، قابلًا للنقد والمراجعة والمحاسبة.
مجتمعنا لا يفتقر إلى الكفاءات، ولا إلى العقول، ولا إلى الشباب، بل يفتقر إلى الشجاعة السياسية للاعتراف بأن الزعامة مرحلة لا عرشًا، وأن القوة الحقيقية لا تكمن في احتكار القرار، بل في بنائه بشكل جماعي. بدون ذلك، ستبقى القوائم تتغير أسماؤها، بينما يبقى المنطق نفسه: شخص في الواجهة، جمهور في الخلف، وقضايانا مؤجلة إلى إشعارٍ آخر.
وسيبقى السؤال مفتوحًا، كما بدأ من سخنين وكما يردده كل شارع عربي:
هل نريد تمثيلًا حقيقيًا يليق بنا… أم زعيمًا نرتاح للهتاف باسمه؟
لمتابعة الأخبار العاجلة عبر قناة بانيت على واتساب - اضغطوا هنا
من هنا وهناك
-
مقال: ‘لا يليق بالناصرة ولا بأم الفحم | استنكار للتصرفات غير الرياضية‘ - بقلم : محمود الحلو
-
قراءة نقدية في كتاب ‘يوميات الزائر والمزور: متنفس عبر القضبان‘ للكاتب المحامي الحيفاوي حسن عبادي
-
‘من التقييم الرقمي إلى التقييم الكلامي‘ - مقال بقلم: منال مصطفى من طمرة
-
‘ يوسف حنحن… حين يرحل الطيبون بصمت ‘ - بقلم: رانية مرجية
-
وقفات مع معجزة الإسراء والمعراج | بقلم: المربي سعيد فالح بكارنة - الناصرة
-
‘ إيران.. خطوة واحدة نحو الانتفاضة الشعبية ‘ - بقلم : عبدالرحمن کورکی (مهابادي
-
‘جلسة تقليب الكتب وصحائف العرب مع الأستاذ اليازجي ‘ - بقلم: أيمن فضل عودة
-
‘مفهوم المديح بين البحتري وميلتون‘ - بقلم : إبراهيم أبو عواد
-
مقال: ‘إيران.. انتفاضة الشعب على أعتاب النصر‘ - بقلم: عبدالرحمن کورکی (مهابادي)
-
‘ من سوء الأدب مع الله الدعاء بلا عمل ‘ - بقلم : الشيخ صفوت فريج رئيس الحركة الإسلامية






أرسل خبرا